صديق الحسيني القنوجي البخاري
171
أبجد العلوم
وفرسان معركة المنطوق والمفهوم ، تعاطوا من دنان الحكم أصفى الحميا ، وتناولوا من غوامض العلوم ما كان بالثريا ، ولكن اللّه تعالى بعث في الأميين رسولا عربيا نسخ جميع الكتب والأديان ، وجاء الناس باليمن والإيمان ، وأخذ بنواصي كافة الأمم وألزم طاعته على رقاب العرب والعجم ، وهذا الفخر كاف للعرب العرباء واف في باب العلياء ، لا يدانيهم فيه أحد من الأعاجم ، ولا يبلغ شأوه فرد من الأعاظم . ولما ورد الإسلام قبل الهند بالإيران ، والتوران ، وكشف نوره الأتم أغطية الظلم عن هذه البلدان ، نشأت العلوم الإسلامية سابقا بتلك البلاد وترعرعت بها أغصان هذا الشجر المياد . وأما الهند فقد فتح في عهد الوليد بن عبد الملك على يد محمد بن قاسم الثقفي سنة اثنتين وتسعين الهجرية ، وبلغت راياته المظلة على الفوج من حدود السند إلى أقصى قنوج سنة خمس وتسعين ، وبعد ما عاد ولاة الهند إلى أمكنتهم ، وبقي الحكام من الخلفاء المروانية والعباسية ببلاد السند ، وقصد السلطان المحمود الغزنوي أواخر المائة الرابعة غزو الهند ، وأتى مرارا وغلب وأخذ الغنائم ، وانتزع السند من الحكام الذين كانوا من قبل القادر باللّه بن المقتدر العباسي ، لكن السلطان محمود لم يقم بالهند ، وكان أولاده متصرفين من غزنين إلى لاهور حتى استولى السلطان معز الدين سام الغوري على غزنين ، وأتى لاهور وقبض على خسرو ملك خاتم الملوك الغزنوية ، وضبط الهند وجعل دهلي دار الملك سنة تسع وثمانين وخمسمائة ، ومن هذا التاريخ إلى آخر المائة الثانية عشر كانت ممالك الهند في يد السلاطين الإسلامية . ولما انتشر الإسلام في هذه البلاد وطلعت شموسه البازغة على الأغوار والأنجاد ، وعلت الكلمة الطيبة في هذه الغبراء ، واجتمعت بشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء ، ظهر بها جمع من العلماء والأدباء الإسلامية الناثرين على بسط الأزمنة لآلي من السحب الأقلامية ، لكن لم يعمد أحد منهم إلى ضبط تراجمهم ولم يجتن جان زهرا من حواجمهم إلا نزرا يسيرا ، ولذلك لا ترى من السلف والخلف كتابا مستقلا في هذا الباب لا على طريق الإيجاز ولا على سبيل الأطناب ، ألا ترى أن ( عين العلم ) كتاب مفيد مصنفه على الأصح من أهل الهند كما ذكر ذلك علي القاري في شرحه له على ما صرح به الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه اللّه ، ومع وجود مثل هذا الكتاب لم يعرف واحد من مؤرخي الهند خبره وما أبقى الزمان الجائر مع إبقاء الكتاب أثره ، ومن ثم اندرست آثار جم غفير من العلماء الأجلاء ، واندثرت معالم كانت أفلاذ كبد الدهناء :